سيد محمد طنطاوي
76
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
و « من » شرطية ، و * ( يَفْعَلْ ) * فعل الشرط ، وجوابه « فليس من اللَّه في شيء » واسم ليس ضمير يعود على « من » وقوله * ( فِي شَيْءٍ ) * خبرها . أي فليس الموالي في شيء كائن من اللَّه - تعالى - والجملة معترضة بين المستثنى والمستثنى منه . وقال - سبحانه - * ( فَلَيْسَ مِنَ اللَّه ) * ولم يقل « فليس من ولاية اللَّه » للإشعار بأن من اختار مناصرة المشركين وموالاتهم فقد ترك ذات اللَّه - تعالى - وكان مؤثرا لقوة الكفار على قوة العزيز الجبار ، فهو في هذه الحالة يعاند اللَّه نفسه ، ثم استثنى - سبحانه - من أحوال النهى حال التقية فقال : * ( إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً ) * وقوله : * ( تَتَّقُوا ) * من الاتقاء بمعنى تجنب المكروه ، وعدى بمن لتضمينه معنى تخافوا و * ( تُقاةً ) * مصدر تقيته - كرميته - بمعنى اتقيته ووزنه فعلة ويجمع على تقى : كرطبة ورطب . وأصل تقاة : وقية من الوقاية . فأبدلت الواو المضمومة تاء والياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها . والاستثناء مفرغ من عموم الأحوال ، والتقدير : لا تتخذوا أيها المؤمنون الكافرين أولياء في أي حال من الأحوال إلا في حال اتقائكم منهم أي إلا أن تخافوا منهم مخافة . أو إلا أن تخافوا من جهتهم أمرا يجب اتقاؤه من الضرر في النفس أو المال أو العرض . كأن يكون الكفار غالبين ظاهرين . أو كنتم في قوم كفار فيرخص لكم في مداراتهم باللسان ، على ألا تنطوى قلوبكم على شيء من مودتهم ، بل تدارونهم وأنتم لهم كارهون . وألا تعملوا ما هو محرم كشرب الخمر ، أو اطلاعهم على عورات المسلمين أو الانحياز إليهم في مجافاة بعض المسلمين ، وإذن فلا رخصة إلا في المداراة باللسان . ثم ختم - سبحانه - الآية بهذا التهديد الشديد حيث قال - تعالى - * ( ويُحَذِّرُكُمُ اللَّه نَفْسَه وإِلَى اللَّه الْمَصِيرُ ) * . والتحذير : هو التخويف لأجل الحذر واليقظة ، من أن يقع الإنسان في قول أو عمل منهى عنه . ونفسه : منصوب على نزع الخافض . والمصير : المرجع والمآب . أي : ويحذركم اللَّه - تعالى - من نفسه أي من عقابه وانتقامه ، وإليه - سبحانه - مرجعكم ومصيركم فيحاسبكم على أعمالكم . وقوله * ( ويُحَذِّرُكُمُ اللَّه نَفْسَه ) * فيه ما فيه من التهديد والتخويف من موالاة الكافرين ، لأن التحذير من ذات اللَّه ، يقتضى الخوف ووقوع الرهبة في النفس من الذات العلية ، وذلك كما يقال : - واللَّه المثل الأعلى - احذر الأسد ، فإن هذا القائل يريد أن ذات الأسد في كل أحوالها موهوبة ، ولأن كلمة « نفس » تقال لتأكيد التعبير عن الذات . أي أن التحذير قد جاءكم من اللَّه - تعالى - لا من غيره فعليكم أن تمتثلوا أمره ، فإن إليه وحده المآل وانتهاء أمر العباد .